الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

289

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ويعلمهم بالجزاء . فقوله تعالى : فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ هو على الوجه الأول مفرع على ما يؤذن به قوله : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً مع تحقق وجود الخلاف بينهم بالمشاهدة من إرادة أن كونهم أمة واحدة دام مدة ثم انقضى ، فيكون مفرعا على جملة مقدرة تقديرها فاختلفوا فبعث اللّه النبيئين ، وعلى الوجه الآخر مفرعا على الكون أمة واحدة في الباطل فعلى الأول يكون أول النبيين المبعوثين نوحا ، لأنه أول الرسل لإصلاح الخلق . وعلى الثاني : يكون أولهم آدم بعث لبنيه لما قتل أحدهم أخاه ؛ فإن الظاهر أن آدم لم يبعث بشريعة لعدم الدواعي إلى ذلك ، وإنما كان مرشدا كما يرشد المربي عائلته . والمراد بالنبيين هنا الرسل بقرينة قوله : وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ والإرسال بالشرائع متوغل في القدم وقبله ظهور الشرط وهو أصل ظهور الفواحش لأن الاعتقاد الفاسد أصل ذميم الفعال ، وقد عبد قوم نوح الأصنام ، عبدوا ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا وهم يومئذ لم يزالوا في مواطن آدم وبنيه في ( جبال نوذ ) من بلاد الهند كما قيل ، وفي البخاري عن ابن عباس أن ودّا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا كانوا من صالحي قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد ، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت ا ه ، وقيل كانوا من صالحي قوم آدم ، وقيل إن سواعا هو ابن شيث وأن يغوث ابن سواع ويعوق ابن سغوث ونسر بن يعوق ، وقيل إنهم من صالحي عصر آدم ماتوا فنحت قابيل بن آدم لهم صورا ثم عبدوهم بعد ثلاثة أجيال « 1 » ، وهذا كله زمن متوغل في القدم قبل التاريخ فلا يؤخذ إلّا بمزيد الاحتراز ، وأقدم شريعة أثبتها التاريخ شريعة برهمان في الهند فإنها تبتدئ من قبل القرن الثلاثين قبل الهجرة . وفي هذا العهد كانت في العراق شريعة عظيمة ببابل وضعها ملك بابل المدعو ( حمورابي ) ويظن المؤرخون أنه كان معاصرا لإبراهيم عليه السلام وأنه المذكور في « سفر التكوين » باسم ( ملكي صادق ) الذي لقي إبراهيم في شاليم وبارك إبراهيم ودعا له . والبعث : الإرسال والإنهاض للمشي ومنه بعث البعير إذا أنهضه بعد أن برك والبعث

--> ( 1 ) في « صحيح البخاري » و « كتاب ابن الكلبي » أن هذه الأصنام عبدت في العرب وقد بينت ذلك في « تاريخ العرب في الجاهلية » .